محمد سعيد رمضان البوطي

365

فقه السيرة ( البوطي )

الأمانة ، وأينعت أرض الجزيرة بغرس التوحيد وانتشر الإسلام يغزو الأفئدة والقلوب في كل مكان . وإن بالناس - وهم اليوم كثرة متفرقون - لشوقا إلى مزيد من اللقاء مع رسولهم والاستفادة من هديه ونصائحه ، وبه هو أيضا صلى اللّه عليه وسلم شوقا إلى مزيد من اللقاء معهم ، لا سيما تلك الحشود التي دخلت في الإسلام حديثا من مختلف جهات الجزيرة العربية ، ممن لم تتح لهم فرص اللقاء الكافي معه صلى اللّه عليه وسلم ، وإن أكبر وأجمل فرصة لذلك إنما هو فرصة اللقاء في الحج إلى بيت اللّه الحرام ، وفي سفوح عرفات ، لقاء بين أمة ورسولها في ظل شعيرة من أكبر شعائر الإسلام ، لقد اتضح أنه كان في علم اللّه تعالى وإلهام رسوله لقاء توصية ووداع . ويريد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أيضا أن يلتقي بهؤلاء الحشود المسلمة ، الذين جاؤوا ثمرة جهاد استمر ثلاثة وعشرين عاما ، ليلخص لهم تعاليم الإسلام ونظامه في كلمات جامعة وموعظة مختصرة يضمّنها كوامن وجدانه ونبرات محبته لأمته ، وليستطلع من وجوههم صورة نسلهم وأعقابهم الذين سيأتون من بعد فينهي إليهم نصائحه وتوصياته من خلف حواجز الزمن ووراء أسوار القرون . تلك هي بعض معاني حجة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : حجة الوداع ، وإنك لتراها متجسدة في خطبته التي ألقاها في وادي عرنة في يوم عرفة . ثالثا : تأملات في خطبة الوداع : وللّه ما أروعها من كلمات ، تلك التي ألقاها في سفوح عرفات ، راح يخاطب فيها الأجيال والتاريخ بعد أن أدى الأمانة ونصح للأمة وجاهد في سبيل الدعوة إلى ربه ثلاثة وعشرين عاما لا يكلّ ولا يملّ ، وللّه ما أروعها من ساعة ، تلك التي اجتمع حول رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فيها الآلاف المؤلفة ، اجتمعوا حوله خاشعين متضرعين ، وطالما تربّصوا به قبل ذلك متآمرين ومحاربين ، آلاف مؤلفة يملؤون ما يمتد به النظر من كل الجهات ، تردد بلسان حالها قول اللّه عز وجل : إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ ( 51 ) [ غافر : 51 ] . وأخذ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ينظر من خلال وجوههم إلى الأجيال المقبلة ، إلى العالم الإسلامي الكبير الذي سيملأ شرق الأرض وغربها ، وراح يلقي على مسامع هذا العالم خطابه المودع :